الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
190
تفسير روح البيان
المقحمة وَأَعانَهُ عَلَيْهِ اى على اختلاقه قَوْمٌ آخَرُونَ اى اليهود فإنهم يلقون اليه اخبار الأمم وهو يعبر عنها بعبارته فَقَدْ جاؤُ فعلوا بما قالوا فان جاء واتى يستعملان في معنى فعل فيعديان تعديته ظُلْماً عظيما بجعل الكلام المعجز إفكا مختلقا مفتعلا من اليهود يعنى وضعوا الافك في غير موضعه وَزُوراً اى كذبا كبيرا حيث نسبوا اليه عليه السلام ما هو برئ منه قال الامام الراغب قيل للكذب زور لكونه مائلا عن جهته لان الزور ميل في الزور اى وسط الصدر والأزور المائل الزور وَقالُوا في حق القرآن هذا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ما سطره المتقدمون من الخرافات والأباطيل مثل حديث رستم وإسفنديار : وبالفارسية [ افسانهاى اوليانست كه در كتابها نوشتهاند ] وهو جمع اسطار جمع سطر أو أسطورة كأحدوثة وأحاديث قال في القاموس السطر الصف من الشيء الكتاب والشجر وغيره والخط والكتابة والقطع بالسيف ومنه الساطر للقصاب واسطره كتبه والأساطير الأحاديث التي لا نظام لها اكْتَتَبَها امر ان تكتب له لأنه عليه السلام لا يكتب وهو كاحتجم وافتصد إذا امر بذلك قال في المفردات الاكتتاب متعارف في الاختلاق فَهِيَ اى الأساطير تُمْلى عَلَيْهِ تلقى على محمد وتقرأ عليه بعد اكتتابها وانتساخها ليحفظها من أفواه من يمليها عليه لكونه أميالا يقدر على أن يتلقاها منه بالقراءة والاملاء في الأصل عبارة عن إلقاء الكلام على الغير ليكتبه بُكْرَةً وَأَصِيلًا أول النهار وآخره اى دائما أو خفية قبل انتشار الناس وحين يأوون إلى مساكنهم وفي ضرام السقط أول اليوم الفجر ثم الصباح ثم الغداة ثم البكرة ثم الضحى ثم الضحوة ثم الهجيرة ثم الظهر ثم الرواح ثم المساء ثم العصر ثم الأصيل ثم العشاء الأولى ثم العشاء الأخيرة عند مغيب الشفق قُلْ يا محمد ردا عليهم وتحقيقا للحق أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ الغيب فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لأنه أعجزكم لفصاحته عن آخركم وتضمن اخبارا عن مغيبات مستقبلة أو أشياء مكنونة لا يعلمها الا عالم الاسرار فكيف تجعلونه أساطير الأولين إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً اى انه تعالى أزلا وابدا مستمر على المغفرة والرحمة فلذلك لا يعجل على عقوبتكم على ما تقولون مع كمال قدرته عليها واستحقاقكم ان يصب عليكم العذاب صبا وفيه إشارة إلى أن أهل الضلالة من الذين نسبوا القرآن إلى الافك لو رجعوا عن قولهم وتابوا إلى اللّه يكون غفورا لهم رحيما بهم كما قال تعالى ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ ) در توبه بازست وحق دستكير اعلم أن اللّه تعالى أنزل القرآن على وفق الحكمة الأزلية في رعاية مصالح الخلق ليهتدى به أهل السعادة إلى الحضرة وليضل به أهل الشقاوة عن الحضرة وينسبوه إلى الافك كما قال تعالى ( وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ) والقرآن لا يدرك الا بنور الايمان والكفر ظلمة وبالظلمة لا يرى الا الظلمة فبظلمة الكفر رأى الكفار القرآن النوراني القديم كلاما مخلوقا ظلمانيا من جنس كلام الانس فكذلك أهل البدعة لما رأوا القرآن بظلمة البدعة رأوا كلاما مخلوقا ظلمانيا بظلمة الحدوث وظلموا أنفسهم بوضع القرآن في غير موضعه من كلام الانس وفي